تبعية غذائية في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا

تبعية غذائية في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا


عتَبرُ مِنطَقة شمالِ إفريقيا والشرقِ الأوسَطِ المِنطَقةَ الأكثرَ تَبعِيَّةً في العالمِ فيما يَتعلَّقُ بالغِذاء. فأكثرُ من 40 % من حاجتِها يأتي من الأسواقِ العالمِيَّة. في أفقِ 2050، قد تزدادُ هذه التبعِيَّة خُطورةً، لا سِيّما بحُكمِ التغَيُّراتِ البيئيَّة. وباتَت الهشاشة ُهذه من المخاطِرِ الكبرى التي تَتعرَّضُ لها مِنطقةٌ لا تَخلو أَساساً من المخاطِر. وقد وصلَت سياساتُ دعمِ الحكومات أسعارِ الموادِّ الاستِهلاكِيَّةِ الأساسِيَّةِ إلى حدودِها المالِيَّةِ القُصوى. يُذكِّر سيباستيان أبيس، الأمينُ العامُّ للمركِز الدوليِّ للدراساتِ الزراعِيَّةِ المتوسِّطِيَّةِ أنَّ ما يعادلُ 40 مليارَ دولارٍ قد خصصت لدعمِ المَوادِّ الغذائيَّةِ في المِنطَقةِ في عام 2012. وفي مصر، يُخصَّصُ لهذهِ الغايةِ ما يزيدُ عن الـ 3%. تساهِمُ دراسةٌ مُهِمَّةٌ أجرَتها مؤسَّسَةُ فرنسِيَّة لحسابِ جمعِيَّة Pluriagri، وهي تتكوَّن من فاعلين في الزراعات الكبرى والبنك الزراعي للقيام بدراسات مستقبلية بخصوص الأسواق أو السياسيات العامة في توضيحِ التحَدِّيات. وُنشرَت، في بدايةِ عام 2015، دراسةٌ استِعادِيَّة تُغَطّي الفترةَ ما بينَ 1961 و2011، وتلَتْها في أكتوبر/ تشرين أول، دراسةٌ ثانِيةٌ مستقبَلِيَّةٌ تَستَكشِفُ المساراتِ الفاعِلةَ في أُفُقِ 2050، وإمكاناتِ الحدِّ من تَبَعيَّة المِنطَقةِ للإيراداتِ الغِذائيَّة.

طلبٌ مرتفعٌ وإنتاجٌ مَحلّيٌّ مُقصِّر
فيما يخصُّ الطلبَ على الأغذِيةِ، تزامَنَ ازديادُ عددِ السكَّان مع تحسُّنٍ مَلموسِ للأنظِمةِ الغِذائيَّةِ بين 1961 و2011. وقد ساهَمَ النمُوُّ الاقتِصاديُّ، وسياسات الحِفاظ على أسعارٍ مُنخفِضةٍ للمُنتَجاتِ الاستِهلاكِيَّةِ، إلى تقارُبِ مُستوى الأنظِمةِ مع المستَوَياتِ الأوروبِيَّة. فتزايَدَ استهلاكُ الزيوتُ النباتِيَّة والسكَّر، ولم يكُنْ ذلكَ نحوَ الأفضَل (ارتفاعٌ ملموسٌ للأمراضِ المرتَبِطةِ بازدِيادِ تلكَ المواد)، إلّا أنَّ النظامَ الغذائيَّ لتلكَ المِنطَقةِ حافظَ على ميِّزاتِه الخاصَّة به، كأهمِّيَّةِ الحبوبِ، لاسيَّما القمحَ، وقلَّةِ الطلبِ على المُنتَجاتِ الحيوانِيَّة. ومع ذلك، تنخفِضُ نسبةُ الألبانِ لحسابِ اللحمِ والدجاجِ والبيض. في المُجمل، ارتفَع الطلبُ على المنتَجات الزراعيَّة بنسبةِ ستَّةِ أضعافٍ في نصفِ قَرن.
لم يتمكَّن الإنتاجُ من اللِّحاقِ بالطلب، على الرغمِ من ارتِفاعِه المُذهِل، فقد ارتَفعَ الإنتاجُ المحلِّيُّ بنسبةِ خمسةِ أضعاف، مَا يعني 50% من الإنتاجِ للفردِ، مواكِباً بذلكَ عموماً حجمَ الطلب. وتكيَّفَ التطوُّرُ البنيَوِيُّ مع تطوُّرِ الطلَب. ويشيرُ هذا التطوُّر، حسبِ دراسات باحثين في منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية في المجال الزراعي (INRA)، إلى “انحِسارِ نمطِ الحياةِ التقليديِّ الرعَوِيِّ في المِنطَقة”. أما الإنتاجُ النباتيُّ، فقد ارتَفعَ بنسبةِ أربعةِ أضعاف، وليسَ قادراً على تدارُكِ الطلب، لا من ناحيةِ الحجم، ولا بُنيَوِيّاً، فإنتاجُ الفاكِهةِ والخُضارِ المَدعومةِ بالسياساتِ الحكومِيَّة يستهدِفُ تلبِيّةَ طلبِ السوقِ الخارجي.
يمكنُ أن نعزُوَ محدودِيَّةَ أداءِ مُزارِعي المِنطَقةِ، أوّلاً، إلى الضغطِ على المواردِ الطبيعِيَّة، فالمِنطَقة تُعاني من الجَفاف، كما أنَّ المساحاتِ الصالِحةَ للزراعةِ نادِرةٌ، وكذلِك المياه. فمِن أصلِ 1300 مليونَ هكتارٍ، أي مساحةِ المِنطقَة الإجمالِيَّة، يتبيَّنُ أنَّ ما يعادلُ 84 مليون هكتاراً من هذه الأراضي مزروعٌ عملِياً، وهي مساحةٌ أكبرُ من الأراضي التي تُعتبَر صالحةً للزراعةِ. إذ إنَّ الأراضي المَهيَّأة بأنظمةٍ للرَّيِّ تَضاعفَت (من 15 إلى 30 %)، إلّا أنَّ المنافسةَ على أشدِّها مع الحاجاتِ الصناعية والمدينيَّة. وغالباً ما يكونُ قد تمَّ استخدامُ ما يقاربُ 80% منَ المياهِ الجَوفيَّة.
ولربَّما أنَّ الوضعَ أسوأُ حالاً في بعضِ الأحيان. تُذكِّرُ الدراسةُ بتجرِبةِ المَملكَةِ العربِيَّةِ السعودِيَّةِ والإماراتِ العربِيَّة المتَّحِدَة، إذ أقدَمَت الدَّولَتان، بفضلِ إيرادات النفطِ في عقدي الثمانينات والتسعينات، بتمويلِ برامجَ زراعِيَّةٍ جاهِزةٍ تَرويها المياهُ الجَوفِيَّة، إلا أنَّهُما عدَلَتا عن تلكَ المشاريعِ “بحُكمِ تقليصِ الميزانيّاتِ ومُنافسةِ المدنِ وعلى الموارِدِ الطبيعِيَّة”. وللسياساتِ الزراعِيَّة، لا سيَّما في مجالِ الاستِثمارِ، دورٌ في هذا الفشَل، فالصناعاتُ الغذائيَّة بقيت مُهمَّشة، تقتصِرُ على مؤسَّساتٍ صغيرةٍ تكتَفي بعملِيّاتِ التحويلِ الأوَّلِيَّة، والاستِثماراتُ فيها ضئيلةٌ جدّاً.

ازديادُ التبعِيّة
ارتفعَت التبعِيَّة الغذائيَّة للمِنطَقةِ من 10% إلى 40% خلالَ خمسينَ سنة. وباتت أحدَ أكبرَ مستوردي الحبوبِ في العالم. ارتفَعت استيراداتُ الحبوبِ من 5 ملايين إلى 44 مليون طنّاً، وكذلك حالُ المُنتَجاتِ الرئيسيَّةِ في الأنظِمةِ الغذائيَّة، فاستيرادُ السكَّرِ ازدادَ بنسبةِ 15 ضعفاً، وازدادَت مُنتَجات البذورِ الزيتِيَّةِ بنسبةِ 30 ضعفاً، فالمِنطقةُ تستنفِذ ثُلثَ مُشتَرَياتِ العالم من القمح، وأضحَت مَحطَّ أنظارِ كلِّ البلدان المصدِّرة للموادِّ الغذائيَّة التي تنظر إلى إنفاقِ فائضِها من الإنتاج. ولحِقَت البرازيلُ وبلدانُ البحرِ الأسود (روسيا، أوكرانيا، رومانيا) برُكابِ الولايات المتَّحِدة، والاتِّحادِ الأوروبّي وأستراليا. من جهةِ البلدان الشارِيَة، يتصرَّفُ كلٌّ بلدٍ بمُفرَدِه. أما فرضِيَّةَ منظَّمَةٍ تُهيِّئُ لعملِيَّاتِ شَراءٍ تَعاوُنِيٍّ بحكمِ كمِّيّاتِ المُشتَرياتِ الجَماعِية ، فتبدو فرضِيَّةً “غريبةً” (سيباستيان آبيس). تحاوِلُ بعضُ دولِ الخليجِ (السعوديَّة، الإماراتُ، وقطر) تطويرَ استراتيجيَّة للضغط ِ نحوَ تأسيسِ مَراكزَ لوجيستية للزراعةِ الغذائيَّةِ في المِنطَقة.
سُعرةٌ حرارِيَّةٌ من أصلِ سُعرتين
تذهبُ الدراسةُ إلى أبعدَ من القواسِم الجامِعة، وتشيرُ إلى مُفارَقاتٍ كبيرةٍ بينَ الأقاليمِ والدول. تشكِّلُ تركيا استثناءً في هذا الصددِ، إن فيما يتعلَّقُ بإنتاجِها الزراعي أم بصناعتِها الغذائيَّة. كما أنَّ تبعيَّتِها الغذائيَّةُ الإجمالِيَّة، وهي أدنى بأربعَ مرّاتٍ من المُعدَّل، لم ترتفِع. وتؤمِّنُ اكتفاءَها الذاتي فيما يخصُّ منتَجات عَديدة. تورِّد تركيا جزءاً لا يُستَهانُ به من انتاجِها. على أنَّ باحِثين يلاحِظون أنَّ “قوّة الاقتِصاد الزراعيِّ التركي، والذي تعودُ إلى سياسةِ تكثيفِ الزراعةِ منذ الخمسينات”، بدأَت تعطي إشاراتِ ضُعف.
وعلى خلافِ ذلك، فبلدانُ المتوسِّط الأخرى، والتي تعاني أيضاً من تبعِيَّة مقدَّرة بـ 10%، تستورِد سُعرةً حرارِيَّةً من أصلِ سُعرتين. فلا زالَت إنتاجِيَّةُ العملِ الزراعيِّ محدودة، لا سيَّما في المَغرب (إلا أنَّها تضاعفَت في مصرَ بنسبةِ ثلاثة أضعاف)، فمُعَدّات الريِّ ضعيفةٌ، إلّا فيما يتعلَّقُ بالزراعةِ المُكثَّفة المخَصَّصةِ بمعظمِها للتصدير. وتتعرَّضُ شبكاتُ الرَّيِّ للتبذيرِ وخسائرَ مهمة، بسببِ النقصِ في التجهيزاتِ وصيانةِ الشبكاتِ ووسائلِ المُحافظةِ عليها، والوسائلِ اللوجستية، كما أنَّ التحويلَ الصناعيَّ ضعيفٌ جدّاً.
إلّا أنَّ عددَ سكّان الريفِ لا يَزالُ مُرتفِعاً، بحكمِ ضعفِ إمكانِيَّات العمل الإجمالِيّة في المجالات الأخرى. ويشرحُ باحثو الـ INRA أنَّ “العملَ في الزراعة، بالنسبة للأجيال الجديدة، يغدو وضعاً مِهَنِيّاً مُكرَهٌ عليه صاحبُه، فلا يتشجَّعُ المزارعون على التجديدِ وتحديثِ الإنتاج الزراعي”. وتشكِّل الحلقةُ السلبِيَّةُ هذه أهمَّ أسبابِ الفقر، كما أنَّها تزيدُ من تفاوُتِ في الدخلِ بين سُكّانِ المدنِ وسُكَّانِ الأرياف.
رُؤيَةٌ مُستقبلِيَّة مُخيفةٌ مُثيرةٌ للقلَق
انطِلاقاً من تلكَ الدراسةِ الاستعادِيَّة، حاولَ الباحثون أن يستَكشِفوا التوجُّهات التي ستميلُ نحوَها الأمورُ في حلولِ 2050. تشيرُ الدراساتُ أنَّ التبعِيَّة تجاهَ الاستيرادات ستزداد، لا سيَّما إذا احتدَّت تأثيراتُ التغييرَ المناخي. فيما يخصُّ الطلب، اعتمَدت التوقُعاتُ على الفرضِيَّة البسيطة، ألا وهي مُواصلةُ الميلِ السابقِ للأنظِمةِ الغذائية، علماً أن عددَ السكّانِ سيزدادُ بنسبةِ 50% تقريباً. من ناحيةِ العَرض، قد تأتي الإجابةُ من زيادةِ الإنتاجية، من توسُّعِ المساحات المَزروعة، أو برفعِ التبعيَّة. إذا لم تتحسَّن الإنتاجية، يفترِضُ استقرارُ التبعيَّة أن تزدادَ الأراضي المزروعةُ بنسبةِ 71% مع حلول العام 2050، وذلك طبعاً مُستحيل. تدلُّ التوجُّهات المُتعلِّقةُ بالإنتاجِيَّة على وطأةِ عاملِ التغيير المَناخي، حتى ولو أتى التغيُّر المناخيُّ مُعتدِلاً، فليسَ من المتوقَّع أن يحولَ ارتفاعُ الإنتاجية دونَ ازديادِ التبَعِيَّة الإجمالِيَّة، مع فروق هنا وهناك، ففي المغربِ، مثلا، قد تفوقُ سرعةُ الإنتاجِ الارتفاعَ في الطلب. وعلى خلافِ ذلك، منَ المتوقَّع أن يعاني المغربُ والشرق الأوسط من حدَّة التغيُّرات المناخِيَّة. في سيناريو كهذا، ستزدادُ التبعِيَّةُ بنسبة 70%مع حلولِ العام 2050 في المغربِ والشرقِ الأدنى والأوسط.
تشيرُ الدراسةً المستقبلِيَّةُ إلى أزمةٍ في الإنتاجِيَّة الزراعية، ففي تصوُّرٍ لسيناريوٍ مؤاتٍ للتغيُّر المناخي، وباستثناءِ تركيا، ستستمِرُّ الإنتاجية بالركود، وستنخفِضِ إن كانَ السيناريو المناخيُّ غيرَ مؤاتٍ. ويحذِّر الباحثون: “تشيرُ هذه النتائجُ بوضوحٍ إلى احتِمالِ استمرارِ الفقر، لا بَل إلى احتِمالِ ازديادِهِ (النسبِيِّ أو المُطلَق) في مُعظَمِ أريافِ المِنطَقة”.
تَركِّزُ الدِّراسةُ على ثلاثة رافعات مُمكِنةٍ لقلبِ تلك التوَجُّهات: التوجُّهُ التِّقَنِيُّ لزيادةِ المردودِ، وتحسينِ الأنظمةِ الغذائيَّة، والحدِّ من التبذيرِ على طولِ السلسلةِ من الإنتاجِ إلى الاستِهلاك. إنْ أُخِذَت كلٌّ من هذه الرافِعات على حدةٍ، سيكون لكلِّ منهُما تأثيرٌ إيجابِيٌّ. وإن تمَّ دمجُها، مِمّا يفترِضُ بطبيعةِ الحالِ سياساتٍ عامّةٍ طموحةٍ، واستثماراتٍ مُكلِفة، سيتَضاعفُ هذا التأثيرُ بطبيعةِ الحال، إلّا أنَّ كلَّ تلكَ الإجراءاتِ ستضمحِلُّ، إن تسارعَ التغيُّر المَناخي. لذلك، تشير الدراسةَ إلى أنَّ “الرافِعةَ الأساسِيَّةَ للحدِّ من التبعِيَّةِ الغذائيّةِ هي العملُ على الحدِّ من هذا التغيُّر العامّ، وهو هَدفٌ لا يمكنُ تحقيقُه إلّا باتفاقِيّاتٍ دولِيَّة، وسياساتٍ مَناخِيَّةٍ مشدَّدة”. وهذا ما يتناقَضُ، بطبيعةِ الحالِ، مع سياساتِ التنميةِ السائدةِ في المِنطَقة والمُعتمِدةِ على استِخراجِ النفطِ والغاز، ما يشكِّل عائقاً رئيسيّاً، وهذا ما تبيَّن من خلال مؤتمر الأمم المتحدة للتغييرات المناخية الأخير.

0 التعليقات:

حدث في مثل هذا اليوم 14-01-2016

حدث في مثل هذا اليوم 14-01-2016


1- سنة 1912 اريزونا أصبحت الولاية الثامنة والأربعين في الإتحاد الفدرالي الأميركي.
2- سنة 1945 الحرب العالمية الثانية 130 ألف قتيل في قصف القوات الحليفة لمدينة دريسدن.
3- سنة 1958 شركة IPM تنتج أول كمبيوتر في العالم.
4- سنة 1963 جراحون في المركز الطبي العام في ليدز بريطانيا يكشفون نجاح عملية لنقل كلية رجل ميت إلى رجل حي.
5- سنة 1979 خطف السفير الأميركي في كابول ادلوف دابس وقتله.
6- سنة 1989 أية الله الخميني يصدر فتوى بقتل الكاتب البريطاني سلمان رشدي بسبب كتابه آيات شيطانية الذي اعتبر مهينا للإسلام.
7- سنة 1993 إنتخاب غلافكوس كليريدس رئيساً للجمهورية في قبرص.
8- سنة 1996 إنفجار مركبة الفضاء الصينية المسيرة الطويلة عند إنطلاقها.
9- سنة 2003 علماء يقتلون النعجة دولي بعد ست سنوات على استنساخها لأنها تعاني من مرض  غير قابل للشفاء.
10- سنة 2005 إغتيال رئيس الوزراء اللبناني رفيق الحريري.
11- سنة 2005 انفجار في منجم شمال شرق الصين نتج عنه قتل 213 قتيل.

0 التعليقات:

عالم أرامكو.. نموذج فريد في الأداء

عيد بن مسعود الجهني
التاريخ النفطي يسجل أن شركة (ستاندرد أويل أوف كاليفورنيا) التي وقعت اتفاقيتها مع حكومة المملكة العربية السعودية عام 1933 وبعد التوقيع على الاتفاقية كونت شركة خاصة للتنقيب عرفت باسم شركة كاليفورنيا أربيان ستاندرد أوف أويل (كاسوك)، وفي عام 1936م انضمت شركة تكساس للبترول تكساكو إلى الاتفاقية وحصلت على نصف ملكية كاسوك، وفي عام 1944 تغير اسم (كاسوك) ليصبح شركة البترول العربية الأمريكية (أرامكو) واستمرت الشركة تحمل هذا الاسم حتى أوائل الثمانينيات حيث أصبح الاسم (أرامكو السعودية).
لم يأتِ تملك أرامكو السعودية في لمح البصر، إنما جاء خطوة خطوة مدروسة بحصافة علمية ومهنية غاية في الدقة عن طريق التملك التدريجي، ففي عام 1973 وقعت المملكة مع أرامكو اتفاقية حصلت بموجبها على 25 في المئة من حقوق امتيازها وكذلك ملكيتها، وفي العام التالي 1974 زادت حصة المملكة لتصبح 60 في المئة.
وبعد مفاوضات ماراثونية بين الطرفين بدأت مسيرة اجتماعاتها المتواصلة منذ أوائل السبعينيات تحت مظلة غاية في السرية، ومع بزوغ شمس الثمانينيات (1980) أصبحت المملكة المالكة لشركة أرامكو بالكامل لتفاجأ ماكينة الإعلام العربي والأجنبي بنقل ملكية أكبر شركة نفط على المستوى الدولي كاملة بهدوء تام من الإدارة الأمريكية إلى إدارة وطنية كفاءة ليصبح اسمها شركة الزيت العربية السعودية (أرامكو السعودية) ليتحقق الهدف الوطني الكبير الذي سعت إليه الدولة، ضمن اتفاق شهير ضمن للطرفين حقوقه العادلة.
ومع تحول أرامكو إلى ملكية الدولة، جاء تأسيس مركز التنقيب وهندسة البترول ذلك المشروع الهام في تاريخ أرامكو السعودية، فالمركز تجمعت تحت قبته كل الوظائف المتعلقة بالتنقيب وهندسة البترول عالية التقنية في الظهران.. هذه الوظائف كانت تقوم بها الشركات الأربع المالكة السابقة في كل من الولايات المتحدة وأوروبا.
هذا العملاق النفطي العالمي، الذي يعد الذراع الأقوى في صناعة النفط، إذ إن المملكة قوة نفطية مهمة ومؤثرة في سوق النفط الدولية، باعتبارها أكبر مصدر ومنتج للبترول في العالم، صحيح أن ملكية الشركة آلت إلى الدولة، لكن بالمفهوم العلمي والإداري والنفطي فإن الاسم تغير من شركة (البترول العربية الأمريكية) إلى (أرامكو السعودية) لكن وظائف الشركة في ميدان التنقيب عن البترول واستغلاله ونقله وتصديره وتكريره.. إلخ لم يتغير أصلاً، فالشركة كان لها موروثها المتميز في الإدارة وعلمها وفنها، وبقي هذا الأداء المتميز بعد انتقال دفة الإدارة من الشراكة الأمريكية لتصبح إدارة سعودية، بل إن عنصر كفاءة الأداء بالمقاييس العلمية والإدارية والبترولية زاد نمواً وتطوراً فاستمرت سفينة أرامكو السعودية تطبق الإدارة الحديثة المتطورة التي تركز على زيادة وتيرة الأداء المتميز ودعم أصول السلامة الفنية، طبقا لأعلى المواصفات الدولية المتعارف عليها.
ومع هذه النقلة وهذا الحدث الكبير – تحول أرامكو إلى ملكية الدولة – بدأت الشركة تتوسع في أدائها وعطائها وزاد نموها وعطائها بدعم قوي من القيادة السعودية.. التي أولت الثروة النفطية عناية واهتمام بالغين منذ عهد الملك عبد العزيز – رحمه الله – الذي أدار الصمام عام 1939م إيذانا بنقل أول شحنة تجارية من النفط السعودي إلى سوق النفط الدولية، على الناقلة (د. جي سكوفيلد) لتكون تلك الشحنة أول الغيث الذي تدفق بالخير على المملكة والعالم بأسره وحتى عهد خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز.
ومع بزوغ شمس التسعينيات وطبقا لدراسات علمية جاء انتقال شركة سمارك إلى أرامكو، وبعد (5) سنوات أكملت الشركة إنشاء معمل إنتاج حقول منطقة الحوطة، ثم جاء دور حقل الشيبة العملاق في الجزء الشمالي الشرقي من صحراء الربع الخالي على بعد (800) كيلو مترا من الظهران في قلب الكثبان الرملية الهائلة الذي دشنه خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز لتنفذ الشركة أعقد إنجاز في علم البترول في العصر الحديث خلال سنوات ثلاث.
لم يتوقف عملاق صناعة النفط العالمي الذي يحتل المركز الأول عالميا بين شركات البترول الدولية، يملك أكبر الاحتياطيات النفطية (265) مليار برميل ورابع أكبر احتياطي للغاز أكثر من (8000) مليار متر مكعب عند حدود حقل الشيبة صاحب الاحتياطي الثابت (15) بليون برميل وتنتج (700) ألف ب / ي، إنما استمر قطار الشركة مندفعاً سريعاً في إنجازاته فتم إنجاز معامل الغاز غير المصاحب في الحوية وحرض وبدأ العمل في إنشاء معمل للإنتاج في منطقة خريص الذي لا يبعد عن عاصمة البطولات والتاريخ الرياض سوى بحوالي 130 كيلو مترا وقد صمم لإنتاج 1.200 مليون ب / ي، وتعمل أرامكو لرفع طاقته إلى 1.5 مليون ب / ي، ليس هذا فحسب فإنجازات أرامكو كبرى يصعب حصرها منها حقل القطيف، ومعامل حقل منيفة المغمور الذي صمم لإنتاج (900) ألف ب / ي.
ومن يرصد إنجازات الشركة في الفترة ما بين 2004 – 2014 يجد أنها طورت ستة حقول عملاقة ليبلغ إنتاجها 3.65 مليون ب / ي، وهذا يؤكد توسع أرامكو في الاستثمار في القطاع النفطي عامة وفي التكرير ذي القيمة المضافة خاصة ومنها مشروع مصفاة الجبيل وينبع للتصدير وإنشاء معمل بترو رابغ المتكامل والعمل على مشروع رأس تنورة للبتروكيماويات الذي يعد أحد أضخم المشاريع البتروكيماوية في العالم.
وعند ذكر اسم أرامكو التي تدير عمليات تبدأ بالتحري والتنقيب والاستكشاف والاستخراج والإنتاج حتى التكرير والنقل والبحوث العلمية في الطاقة وغيرها، نذكر الخزانات الكبرى المصممة لتخزين الغاز الطبيعي، فصهريجا واحدا منها يستوعب أكثر من (1000) طن متري.. وهذا معادل لحجم سفينة تجوب البحار، وهناك ستة مشروعات تقيمها أرامكو للزيت والغاز وتعد الواحدة منها بعلم النفط والغاز أكبر وأغلى برنامج إنشائي في التاريخ النفطي.
إن إبداعات أرامكو لم تأت صدفة لكنها جاءت عبر عقود من الزمن فمنذ توقيع اتفاقية الامتياز في مدينة جدة عروس البحر الأحمر في 4 صفر 1352هـ الموافق مايو 1933 وما طرأ على الاتفاقية الشهيرة من تعديلات ومن دخول شركات بترول جديدة حصلت على حصص في أرامكو (سوكال 30%) (اكسون وتكساكو 30 %) (موبيل 15%) وانخفضت حصص الشركات الأخرى بنفس هذه الزيادة والشركة تشهد عطاء متجددا معتمدا على الإنسان الذي هو أهم من النفط والغاز، فهو الذي – بعد الله – وضع الاستراتيجيات وخطط للإنتاج والتصدير والبناء في حقل الطاقة.. فالشركة العالمية أدركت منذ زمن بعيد وتدرك اليوم أن الإنسان هو محور الإدارة وجوهرها وهو وسيلة الإدارة في تحقيق أهدافها كما انه غايتها وعقلها المفكر.
أرامكو السعودية التي لا يتجاوز عمرها (34) عاما منذ أن أصبحت مملوكة للدولة فهي لا زالت في سن شبابها تزداد بريقا، وهي خرجت من رحم شركة البترول العربية الأمريكية (أرامكو) التي تأسست عام 1944م.. هذه الشركة الوطنية أدركت وتدرك أن الجهاز الإداري هو عامل وأدوات ومكان، وكل عنصر من هذه العناصر الثلاثة له أهمية في أداء العمل وحسن القيام به، فالعنصر البشري هو أحد أهم العناصر الثلاثة – بل أهمها -ولذا فإن تاريخ الشركة المتميز في هذا المجال بلغ الثريا.
لذا فإن تاريخ أرامكو حافل بالإنجازات العديدة في ميدان صناعة النفط .. وهذا النجاح لم يتحقق بين عشية وضحاها ولم يأت من فراغ إنما مهندسه العنصر البشري الخلاق الذي يعكس اليوم قصة بذل وعطاء وتفان وإبداعات منسوبي أرامكو من الجنسين من السعوديين، متضافرين مع المتخصصين من جنسيات أخرى متعددة، جاؤوا من كل حدب وصوب لينضموا إلى قافلة الشركة، هؤلاء المخلصون المتسلحون بالعلم والفكر وراء تحقيق حلم النجاح.. كلهم يجمعهم اسم واحد (أرامكو السعودية) سواء منهم الرئيس أو نوابه أو المدراء أو المرؤوسين.. أو مهندسين وفنيين حفر في حقول الزيت، أو مشغلين في معامل الغاز، أو فنيي صيانة في محطات الزيت الخام.. إلخ.
وبهذا التكامل والانضباط في الأداء الذي تتمتع به أرامكو وموظفيها فإنها تعتبر نموذجاً فريداً في كفاءة الأداء مطبقة دور الزمن في الإدارة الحديثة.. فالزمن نصف الإدارة فما من عمل يؤدى إلا كان الزمن بجانبه، وما من مخلوق حي لا يؤدي عمل ضمن زمن، ولذا فان أرامكو تعتبر من داخلها (خلية نحل) حركة حيوية مستمرة ونشاطا دؤوبا طوال ساعات العمل المحددة لا تضيع دقيقة هباء، كل موظف داخل هذا الكيان الكبير يؤدي عمله المنوط به بجد واهتمام والتزام ودقة متناهية.
هذه المميزات التي تتمتع بها منظومة أرامكو جعل منها مرجعا رئيسا لتنفيذ بعض مشاريع الدولة العملاقة، فالشركة تملك الخبرة الواسعة والسرعة والدقة المتناهية ومهنية المتابعة في تنفيذ المشاريع الكبرى، من الأمثلة الحية لهذا، إنشاء مرافق جامعة الملك عبد الله للعلوم والتقنية، إضافة إلى تأسيس القاعدة الأكاديمية وبرامج البحوث العلمية للجامعة وإبرام عقود المشاركة والتعاون مع بعض مراكز البحوث العلمية وجامعات متخصصة في تلك المجالات.
وفي الميدان الرياضي قامت بتنفيذ أحد الملاعب الرياضية في جدة عروس البحر الأحمر ملعب الملك عبد الله بن عبد العزيز (الجوهرة) الذي تم إعداده وتجهيزه على أعلى مستويات الملاعب الرياضية في العالم وفي وقت قياسي وفي تكاليف مقبولة اقتصاديا والذي أصبح أنموذجا لكل مشروع طموح.
هذا جعل الدولة تسند للشركة إدارة (11) استاداً رياضياً ضمن برنامج خادم الحرمين الشريفين لبناء تلك الملاعب في كل من المنطقة الشرقية، المدينة المنورة، القصيم، عسير، تبوك، حائل، الحدود الشمالية، جازان، نجران، الباحة، الجوف، هذا يؤكد حرص الدولة على تنفيذ تلك المشاريع في أوقاتها المحددة ومحققة للأهداف التي أنشأت من أجلها بتكاليف مقبولة لا مغالاة فيها، لكل مشروع طموح.
ولن تكون تلك المشاريع هي الأخيرة فعالم أرامكو الواسع المتسلح بالعمل والفكر والإدارة والدقة في الأداء والخبرة النادرة مفتوح على مصراعيه.. بأيد وطنية ومتخصصين تتعاقد معهم الشركة من دول شقيقة وصديقة خاصة في المشاريع الإنشائية مثل الملاعب الرياضية وما في حكمها ممن لهم خبرات وسابق أعمال مؤهلة ومدربة تدريبا عاليا يندر توفره في هيئات وشركات مشابهة ليس على المستوى الإقليمي بل والدولي.
لمزيد من المواضيع المفيدة تابعونا على موقع نقل عفش الكويت 

0 التعليقات:

العصر البترولي الجديد أشد فتكا مـن الحروب العالمية

نعمان الزياتى
يعتبر موضوع الطاقة من الموضوعات المثيرة للجدل ، وكان الدافع الأساسي لتحرك الأساطيل الغربية لاحتلال منابع النفط وتقسيم الوطن العربي ، وليس أدل على ذلك ما شاهدناه في حرب الخليج الثانية ، وفي احتلال العراق والوصول إلى بحر قزوين . فاحتلال منابع النفط بالقوة يمثل المرحلة المتوحشة للرأسمالية الغربية . كما أنها السبب الأول في صعود بعض الدول إلى مصاف الدول الكبرى ، وفي انهيار دول كبرى ، فاليوم يقولون روسيا قبل حادث تشرنوبيل وروسيا بعد حادث تشرنوبيل وليس روسيا قبل جورباتشوف أو بعده ، وما حدث في السودان ما هو إلا انعكاس للاكتشافات البترولية هناك ، ودخول الصين إلى القارة الإفريقية وتحركها غير المعهود خارج إطارها الزمني والمكاني واستثماراتها الكبيرة في السودان وليبيا ما هو إلا انعكاس للتعطش الكبير لموارد الطاقة .
اليوم نشهد نهاية حُقبة من تاريخ العالم وبزوغ فجر حقبة أخرى جديدة ، نتيجة تغيرات جوهرية في العالم، بما في ذلك انتشار وتفتت القوة إلى عدد متزايد من الدول والكيانات الفاعلة غير التابعة لدولة بعينها، والتي تتراوح بين المنظمات الإرهابية والميليشيات المسلحة إلى الشركات الكبرى والمنظمات غير الحكومية. فالشرق الأوسط يعيش الآن المراحل المبكرة من النسخة المعاصرة من حرب الثلاثين عاما، حيث من المحتم أن تعمل الولاءات السياسية والدينية على تأجيج صراعات مطولة ووحشية أحياناً داخل وعبر الحدود الوطنية. ويُعَد الدين، أو العقيدة، أحد أكثر الدوافع وراء الحروب شيوعاً في التاريخ، ولا يستثنى من هذه القاعدة القرن الحادي والعشرين. لكن هناك صراعا من نوع آخر سيكون أكثر تدميرا للشعوب من كل الحروب السابقة من خلال استغلال سلاح النفط والغاز والذي قد يتحول من حرب باردة إلى حرب ساخنة مدمرة. فالنفط والغاز هما أداة التحكم في هذا الصراع ،خاصة أن العامين الماضيين كشفا للجميع أن روسيا أصبحت على وشك التحكم في السوق العالمية للغاز الطبيعي وأصبحت تتحكم في أكثر من 30% من واردات أوروبا من الغاز باعتبارها تملك أكثر من ثلث الاحتياطي والإنتاج العالمي من الغاز الطبيعي. فروسيا تريد أن تستعيد دورها على الساحة الدولية كمنافس للولايات المتحدة، ولذلك بدأ بوتين في استعادة عافية روسيا الاقتصادية لكي يكون قادراً على لعب هذا الدور، وارتفاع أسعار النفط مكنه من استعادة عافية الاقتصاد الروسي، مما انعكس بالإيجاب على الاقتصاد الروسي الذى ألقى بظلاله على فكرة إحياء الإمبراطورية الروسية . فروسيا تدرك أنها غير قادرة على استعادة إمبراطوريتها القديمة، وهي لهذا تستولي على أراضي بلدان مجاورة بدلاً من ذلك، مبررة أفعالها بالمفهوم الضبابي المتمثل في العدالة العِرقية والتاريخية . فنهج بوتن يشبه إلى حد بعيد الرؤية التي عرضها الكاتب والمؤرخ الروسي ألكسندر سولجنيتسين الحائز على جائزة نوبل في مقاله الذي نشر في عام 1990 بعنوان «إعادة بناء روسيا». ففي إشارة إلى الدول التابعة للاتحاد السوفييتي سابقا، اقترح ترك هذه «الشعوب الجاحدة» تذهب لحال سبيلها، ولكن مع الإبقاء على الأراضي التي هي حق مشروع لروسيا، مثل شرق وجنوب أوكرانيا، وشمال كازاخستان، وشرق إستونيا، لأن سكانها ينتمون إلى عِرق روسي، وإقليمي أبخازيا وأوسيتيا الجنوبية في جورجيا، اللذين يشكلان امتداداً ثقافياً لشمال القوقاز الروسي. وفي ظل هذه العقلية، كان بوتن وأنصاره في الداخل والخارج ينظرون إلى الديمقراطية والأسواق الحرة ليس باعتبارها مساراً إلى السلام والازدهار، بل بوصفها جزءاً من مؤامرة شريرة لتدمير روسيا.
اليوم نكاد نجزم أن هناك حربا عالمية جديدة قد نشبت عبر استخدام سلاح النفط والغاز بعد خروج الولايات المتحدة لأول مرة بتصدير النفط والغاز وإعلانها عن عصر جديد للطاقة تتحكم من خلاله في منظومة الطاقة العالمية . فالولايات المتحدة حاولت أن تحكم قبضتها علي سوق النفط باحتلالها العراق وإقامة نظام بديل موال لها واستطاعت أن تحصل على عدة مكاسب رئيسية : الحصول علي إمدادات النفط رخيصة .
ثانياً : السيطرة علي أهم موارد النفط العالمية . ثالثاً : العمل علي إضعاف أوبك والقضاء عليها وعودة الشركات العالمية الكبرى إلي العمل في دول أوبك مرة أخري .ويتوقع الخبراء بأن عائدات النفط العراقية ستصل خلال عقد واحد إلى تريليون دولار ، واليوم تتمتع الولايات المتحدة بالميزة الإضافية المتمثلة في إصدارها للعملة الاحتياطية العالمية الأكثر بروزا ــ مما يعزز وجهة النظر التي تزعم أن العملات يمكن استخدامها كأسلحة. على سبيل المثال، عملت الولايات المتحدة فعلياً على تفتيت النظام المصرفي العالمي من خلال إلزام كل البنوك الأجنبية التي تعمل هناك بالتحول إلى شركات تابعة وإلزام البنوك الدولية التي لديها حسابات مقاصة بالدولار الأميركي بالامتثال التام للنظام الضريبي الأمريكي، بل وحتى لسياسة الولايات المتحدة الخارجية إلى حد ما (على سبيل المثال، الامتناع عن التجارة مع أعداء الولايات المتحدة) ، فالعالم لم يستوعب بعد تلك الرسالة الأكثر قوة هي تلك التي تبثها العقوبات التي تستهدف صناعات النفط والتمويل والدفاع والتكنولوجيا في روسيا، فضلاً عن العقوبات المفروضة على المسئولين الروس. فبهذا النهج، تبعث الولايات المتحدة برسالة واضحة إلى كل من قد يختلف مع السياسة الأمريكية، وملخص هذه الرسالة هو: «تجنب استخدام الدولار والحسابات المصرفية المقومة بالدولار». وقد أشرنا في العدد السابق كيف وقع صدام حسين في الفخ الأمريكي عندما حاول تجنب الدولار الأمريكي ؟ .
واستخدام هذا السلاح ينعكس على السياسة النقدية التي انتهجتها البنوك المركزية في الاقتصادات المتقدمة في إحداث تدفقات متقلبة وواسعة النطاق من رءوس الأموال عبر حدود الاقتصادات الناشئة، الأمر الذى أدى بدوره إلى توليد قدر كبير من عدم الاستقرار في هذه البلدان وتغذية ما عرف بالاحتجاجات وثورات الشعوب . فسلاح البترودولار سيعيد تقسيم خريطة العالم مرة أخرى وكما أشرنا في مقالات سابقة « بداية العصر البترولي الساخن ، « والبريكس تعيد هندسة النظام العالمي الجديد « حيث البحث عن بديل لزعامة الولايات المتحدة من خلال إنشاء بنك التنمية الجديد وترتيبات احتياطي الطوارئ بواسطة مجموعة البريكس (البرازيل وروسيا والهند والصين وجنوب إفريقيا). والمشكلة بالنسبة للولايات المتحدة هي أن الساخطين في هذا الحالة يمثلون خمسة من أكبر الاقتصادات الناشئة على مستوى العالم، والتي تتجاوز مواردها مجتمعة كل موارد مؤسسات بريتون وودز. ومن غير المرجح على الإطلاق أن تكون معاملات مجموعة البريكس المصرفية مقومة بالدولار الأمريكي.
اليوم تقود الولايات المتحدة الحرب الجديدة باستخدام النفط والغاز بعدما خرجت من عباءة النفط الخليجي ، ومن ثم تحاول تفتيت تلك المنطقة لتكون لقمة سائغة لإسرائيل لتتولى قيادة المنطقة من خلال إضعاف القوى الاقتصادية والعسكرية العربية وإجبار المنطقة للتفرغ لحروب مواجهة الإرهاب . فظاهرة الإرهاب الدولي ما هي إلا نتاج عمل بعض المنظمات وتوابعها والمترابطة بطريقة واضحة مع إسرائيل، فهناك قيادة دولية في أحد بقاع المعمورة تتولى توجيه تلك العمليات ودون علم نفس المنظمات الإرهابية التي تقوم بالتنفيذ الفعلي .
ولقد فاجأت الولايات المتحدة العالم وصناع قرار النفط بزيادة إنتاج النفط والغاز من خلال استخراج النفط والغاز من تكوينات جيولوجية غير تقليدية – تسمى صخور السجيل والصخور اللامسامية أو التكوينات الرملية. وجاءت ثورة إنتاج الغاز الطبيعي أولا، تلتها ثورة إنتاج النفط في الآونة الأخيرة. وأن توافر موارد الغاز من صخور السجيل أحدث تغيرا جذريا في الآفاق المستقبلية للغاز الطبيعي كمصدر للطاقة.
ازداد إنتاج النفط الخام من مصادر غير تقليدية بنحو خمسة أضعاف في الولايات المتحدة في الفترة بين 2008 و 2013، ونتيجة لذلك وصلت أسعار الغاز الطبيعي في الولايات المتحدة إلى أدنى مستوياتها على مدى عشرين عاما بعد استبعاد أثر التضخم، بينما النفط الخام الخفيف الذي يستخرج من مناطق الإنتاج غير الساحلية في الغرب الأوسط من الولايات المتحدة فتباع بخصم كبير غير عادى مقارنة بالأسعار القياسية الدولية.ومن ثم تستطيع الولايات المتحدة اليوم أن تنافس الدول الأخرى بمنتجاتها لفترة طويلة . وتشير التنبؤات الأخيرة في سيناريوهات إنتاج النفط في الولايات المتحدة على المدى المتوسط والمدى الطويل إلى أن الإنتاج من هذه المصادر الجديدة سيرتفع مرة أخرى بمقدار يتراوح بين 1,5 و 3,5 مليون برميل يوميا على مدى السنتين أو الثلاث سنوات القادمة قبل أن تستقر عند مستوى يتراوح بين 2,5 و 3,5 مليون برميل يوميا. وإذا تساوت كل الاعتبارات الأخرى، يشير مستوى الإنتاج من مصادر غير تقليدية إلى أن إجمالي إنتاج النفط الخام في الولايات المتحدة يمكن أن يصل إلى 8 ملايين برميل يوميا. وعلى مدى الخمس سنوات الماضية، كان ارتفاع إنتاج النفط الخام في الولايات المتحدة أهم مصادر الإنتاج الجديد خارج نطاق البلدان الأعضاء في منظمة البلدان المصدرة للنفط بأوبك. ومن المرجح أن تؤدي المصادر الجديدة في حد ذاتها إلى تغيير المشهد العالمي لعرض النفط بصورة جوهرية مثلما حدث لتطورات العرض في البلدان غير الأعضاء في منظمة البلدان المصدرة للنفط (أوبك) في السبعينيات من القرن الماضي( يتساءل البعض بأن الصادرات الأمريكية للنفط ناجمة حقا من إنتاج الولايات المتحدة أم إعادة تصدير للنفط العراقي الذي استحوذت عليه لأكثر من عقد كامل ) . كما أن انعكاسات ثورة إنتاج النفط والغاز من مصادر غير تقليدية في الولايات المتحدة على أسواق النفط العالمية تتجاوز مجرد زيادة إنتاج النفط الخام. فأدى إنتاج النفط والغاز من مصادر غير تقليدية إلى ارتفاع إنتاج السوائل المصاحبة للغاز الطبيعي، مثل البروبان والبوتين، بنحو 30% في الفترة من 2008-2013. وتكتسب هذه المنتجات الثانوية المصاحبة للغاز الطبيعي أهمية لأن المستخدم النهائي لا يهمه النفط الخام، وإنما ما يهمه هو السوائل البترولية التي يمكن أن يستخدمها. وأدى ارتفاع إنتاج النفط الخام وإنتاج السوائل المصاحبة للغاز الطبيعي معا إلى ارتفاع مجموع إنتاج المنتجات السائلة من نحو 6,9 إلى 8,7 مليون برميل يوميا في الفترة من 2008-2012، أي بزيادة مقدارها 36%.
وخلاصة القول، إن الظهور غير المتوقع لموارد النفط والغاز غير التقليدية والمجدية اقتصاديا في الولايات المتحدة، وربما في بلدان أخرى، قد تحدث آثارا واسعة النطاق من أسواق الطاقة العالمية. والغاز الطبيعي بصفة خاصة من المرجح أن يكتسب أهمية أكبر كمصدر للطاقة الأولية، كما أن حصته في مجموع الاستهلاك ستزداد على الأرجح كثيرا. فضلا على ذلك، ليس من المرجح أن تصبح الولايات المتحدة المستورد الصافي الكبير للغاز كما كان متوقعا في السنوات القليلة الماضية.ومن ثم لأول مرة ستتحكم الولايات المتحدة في سوق الطاقة وستعاقب من خلاله كل من يريد أن يدير ظهره للدولار أو يحاول أن يغرد خارج السرب . واليوم يحاول الاتحاد الأوروبي أن يعالج التحديات الأساسية في مجال أمن الطاقة، والتسعير التنافسي، والاستدامة من خلال الاستعانة بنهج سياسي موحد وشامل ومقنع.
ولكي نواجه الأزمات المتوقعة في الطاقة علينا أن نعيد هيكلة قطاع الطاقة بأكمله وأن نسن تشريعات التمكين اللازمة، وأن نستفيد بتجارب بعض الدول الناجحة مثل تجربة المكسيك، فكان قطاع الطاقة في المكسيك مملوكاً للدولة بالكامل. وكان المكون الأكثر أهمية في هذا القطاع، شركة بيميكس ، وكانت الشركة مسئولة وحدها عن الاستكشاف والتنقيب والإنتاج وتوزيع التجزئة. وكان إنتاج الكهرباء وتوزيعها أيضاً ملكية كاملة للحكومة.وكانت محدودية المكون المعرفي الفني في بيميكس تعني أنها غير قادرة على تطوير واستغلال موارد المكسيك الشاسعة من النفط والغاز بشكل كامل. فهناك احتياطيات كبيرة من النفط تتطلب تكنولوجيا الحفر في المياه العميقة، وهي التكنولوجيا التي تفتقر إليها الشركة. وهناك أيضاً آبار قديمة توقفت عن الإنتاج ولكن يمكن جعلها منتجة مرة أخرى باستخدام تكنولوجيات حديثة. وهناك حقول غاز ونفط محتملة لا يمكن استغلالها إلا بالاستعانة بتكنولوجيا التصديع الهيدروليكي والحفر الأفقي. وقبل الإصلاح، ظلت احتياطيات الطاقة لفترة طويلة تُعامَل باعتبارها تراثاً وطنياً لا يمكن تطويره إلا من خلال شركة البترول المكسيكية «بيميكس». إن إصلاحات الطاقة والكهرباء، سيعجل بتسريع النمو ، وتعزيز مستويات تشغيل العمالة والدخل، وبالتالي رفع المستويات المعيشية .
لمزيد من المواضيع المفيدة تابعونا على موقع نقل عفش الكويت

0 التعليقات:

الطاقة الشمسية أرخص مصدر للطاقة

لا تزال الطاقة الشمسية تحتل حصة صغيرة من صافي مصادر توليد الكهرباء في العالم، ففي أمريكا مثلاً كانت مسؤولة عن إنتاج 0.45% فقط من إجمالي الكهرباء، ابتداء من ديسمبر/كانون أول 2014. إلا أن الأمور ستتغير بسرعة، وفقاً لمؤسسة (آغورا إينيرجي ويند- Agora Energiewende) الألمانية.
غير أن العقبة الرئيسة أمام انتشار استخدام الألواح الضوئية الشمسية تكمن في الكلفة؛ فهذا النوع من الطاقة مكلف مقارنة بالفحم أو الغاز. لكن أجرت مؤسسة آغورا دراسة لمعهد (فراونهوفر- Fraunhofer Institute) عن أنظمة الطاقة الشمسية، بينت فيه أن هذا الأمر لم يعد صحيحاً. حيث يرى الباحثون أن الطاقة الشمسية أصبحت أقل كلفة في بعض المناطق المشمسة بفضل التقدم التكنولوجي؛ ففي دبي مثلاً، تم توقيع عقد طويل الأجل مؤخراً، ينص على تقاضي 5 سنتات مقابل كل كيلو واط/ ساعة. كما هناك مشاريع قيد الإنشاء في البرازيل والأورغواي، وغيرها من الدول التي يقال إنها تنتج طاقة بتكلفة أقل من 7 سنتات لكل كيلو واط/ ساعة. مقارنة بذلك، تكلف الكهرباء التي تنتج في مصانع الفحم والغاز مبالغ تتراوح بين 5 و10 سنتات لكل كيلو واط/ ساعة. وفي ألمانيا حالياً، تنتج مصانع الطاقة الشمسية الضخمة كهرباء مقابل أقل من 9 سنتات مقارنة بـ11 سنت للكهرباء الناتجة عن الطاقة النووية. فيما تفيد التقارير أن تكلفة إنتاج الطاقة في أوروبا الوسطى والجنوبية، ستنخفض بحلول عام 2025، لتتراوح بين 4 و6 سنتات لكل كيلو واط/ ساعة. وبحلول عام 2050 ستصل إلى 2-4 سنتات، لتصبح أرخص مصدر للطاقة في العديد من دول العالم.
ويبدو أن هذه التنبؤات تتعارض مع عدد آخر من الدراسات التي تصر على أن الطاقة الشمسية ستسهم بشكل ضئيل في أنظمة الطاقة العالمية أو الإقليمية أو الوطنية، وهذا أمر يعتقد الباحثون أنه ناجم عن استخدام تقديرات تكلفة قديمة للألواح الضوئية الشمسية. كما يعتقدون بأن الألواح الشمسية الضوئية ستحتل موقعاً موازياً لطاقة الرياح.
إن تكاليف إنتاج الطاقة ليست العامل الوحيد الذي ينبغي أخذه بالحسبان عند إصدار مثل هذه التقديرات، حيث سيعتمد انتشار الطاقة الشمسية على العديد من المحفزات المالية لتركيب الألواح الضوئية من قبل الحكومات والأطر القانونية. فنقص الأنظمة التشريعية المناسبة قد يرفع من تكلفة الطاقة بنسبة تصل إلى 50%، من خلال فرض تكاليف أعلى للتمويل، وهذا قد يؤثر سلباً على وجود موارد شمسية محلية أفضل. لكن، حتى مع انعدام ابتكارات تكنولوجية جديدة، يعتقد الباحثون أن خيار الطاقة الشمسية سيكون مطروحأ بقوة.
وقال الدكتور باتريك غرايشن، مدير (آغورا إينيرجي ويند): “يجب تنقيح خطط أنظمة تزويد الطاقة مستقبلاً في العالم. فما يحصل حتى الآن، يقتصر على تخصيص جزء بسيط منها لصالح الطاقة الشمسية. ونظراً للتكاليف المعقولة جداً، ستؤدي دوراً بارزاً، وجنباً إلى جنب مع طاقة الرياح. كما أنها وسيلة رخيصة للإسهام في حماية المناخ العالمي.”
ويلاحظ أن مثل هذه التقارير لا تخلو من نزعة سياسية؛ فمنذ أن أعلنت ألمانيا عملية تحويل الطاقة، التي تتضمن التخلص تدريجياً من المصانع النووية بحلول عام 2022، والتقليل من انبعاثات الغازات الدفيئة بنسبة 80%- 95% قبل عام 2050، ظهر عدد من الدراسات والمقالات التي أظهرت الجانب السيء من هذا المسار الجديد. ويعتقد أن التحول إلى مصادر الطاقة المتجددة على المدى القصير يعني في الحقيقة حرق المزيد من الفحم، في حين قال آخرون إن هذا مجرد خرافة.
ومع غض النظر عن ماهية الحقيقة، إذا كان علماء “فراونهوفر” على حق، فستصبح الطاقة صديقة للبيئة، شرط أن تتوافر النية السياسية الحسنة لتحقيق ذلك.
لمزيد من المواضيع المفيدة تابعونا على موقع نقل عفش الكويت

0 التعليقات: